ابن عربي
184
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
فسلم عليه ، ثم قال : يا سيدي ، جئت أسألك عن الروح وما سرّه ؟ فقال له الشيخ : السرّ هو الحقيقة لا تجلى عليه خليقة ، ولا دقيقة ، هو مادة اللّه في الوجود ، يأتي من عين اللطف والجود ، محرّك الحركات ، ومجمّد الجمادات ، ومنتشر في النباتات ، عنصره النور الإلهي ، ومنبعها النور الخفيّ ، به أقام إمداد الوجود إلى أمد ، وبه رفع السماوات بغير عمد ، فهو العمد الذي هم عنه عمون ، وإنما يراه المبصرون الذين له ينظرون ، وبه يسمعون ، وبه يعقلون . ثم قال الشيخ : يا من خلق الخلق أطوارا ، وأنطقهم سرا وجهارا ، وبصّرهم في نفوسهم فكرة واعتبارا ، قوم نبّهوا فانتبهوا ، وقوم أغلقوا فبقوا حيارى . ثم قال : إذا عرفك به أمدّ سرّك من سرّه ، فكنت قريبا بقربه ، ومنعما في قدسه ، وكشف لك عن وجهه ، فنظرت جماله به ، فالفروع راجعة إلى الأصول ، منها ظهرت ، وفيها أثرت ، فكل فرع هو أصله ، وكل مفترق هو جمعه . وروينا من حديث محمد بن سلامة ، عن الحسن بن ميمون بن علي بن عمر الدارقطنيّ ، عن أبي بكر محمد بن أحمد بن أسد ، عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه ، عن عمر بن طارق ، عن يحيى بن أيوب ، عن عيسى بن موسى بن اياس بن بكير ، أن صفوان بن سلام حدّثه ، عن أنس بن مالك ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « اطلبوا الخير دهركم ، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم ، فإن للّه عز وجل نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوا اللّه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم » . خبر ذي الأكتاف كسرى مع ساطرون روينا من حديث ابن هاشم ، عن خلّاد قرّة بن خلّاد السدوسيّ ، عن جنادة ، قال : كان كسرى سابور ذو الأكتاف ، غزا ساطرون ملك الحضر حصن بشاطئ الفرات ، فحصره سنتين ، فأشرفت بنت ساطرون يوما ، فنظرت إلى سابور ، وعليه ثياب ديباج ، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلّل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ ، وكان جميلا ، فدست إليه : أتتزوجني إن فتحت لك باب الحصن ؟ قال : نعم . فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر ، وكان لا يبيت إلا سكران ، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه ، فبعثت بها مع مولى لها ، ففتح الباب ، فدخل سابور وقتل ساطرون واستباح الحصن وخرّبه ، وسار بها معه فتزوجها ، فبينما هي نائمة على فراشها ليلا ، إذ جعلت تتململ لا تنام ، فدعا لها بالشمع ، ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس ، فقال لها سابور : هذا الذي أسهرك ؟ قالت : نعم . قال : ما